سيكولوجي بالعربي

مقدمة في علم النفس

صورة تعبر عن علم النفس

في البداية يُعدّ علم النفس أحد أكثر العلوم الإنسانية دقةً وارتباطًا بالمنهج التجريبي في العصر الحديث، إذ يدرس السلوك والعمليات العقلية بوصفها ظواهر قابلة للقياس والتحليل والتفسير. لا ينطلق علم النفس من التأملات الفلسفية أو الخرافات أو خطاب “تحفيز الذات“، لكن من البيانات، التجارب، والنماذج القابلة للتكرار. وبالرغم من ذلك فانه يتعامل مع الإنسان بوصفه نظامًا معقدًا يتفاعل فيه الدماغ والخبرات والبيئة ضمن شبكة ديناميكية ذات طبقات متعددة.

في جذره، يجيب علم النفس على ثلاث أسئلة مركزية تشكل أهدافه العلمية الأساسية:

  • الفهم: لماذا يحدث السلوك؟ ما طبيعته؟ وما العوامل التي تولّده؟
  • التنبؤ: متى وكيف سيظهر السلوك مستقبلًا؟ وما الشروط التي تؤدي إلى تكراره؟
  • الضبط: كيف يمكن تعديل السلوك أو تغييره أو تحسينه بطرق علمية مستندة إلى الأدلة؟

هذه الأهداف تُظهر بوضوح أن علم النفس ليس نشاطًا إنشائيًا ولا حتى خطابًا تطويريًا سطحيًا، بل هو منهجية علمية تتعامل مع الإنسان بالقياس والتحليل والفرضيات وخصوصًا النتائج القابلة للاختبار.

النموذج الحديث لفهم السلوك (Bio-Psycho-Social)

أحدث النماذج وأكثرها دقة في تفسير السلوك هو النموذج البيولوجي–النفسي–الاجتماعي (Bio-Psycho-Social Model). حيث انه تفوق على المناهج القديمة التي حاولت تفسير السلوك بعامل واحد، كما انه يدرس الإنسان كنتاج تفاعل ثلاثي عميق:

1- العوامل البيولوجية

  • بنية الدماغ
  • النواقل العصبية
  • الهرمونات
  • الجينات
  • مستوى الالتهاب الجهازي
  • الحالة الفيزيولوجية العامة

هذه العوامل تشكل “البنية التحتية” للسلوك، أي أنها تحدد القابلية والاستعداد والأساس الذي يعمل فوقه كل شيء آخر.

2- العوامل النفسية

  • الإدراك
  • الذاكرة
  • الانفعالات
  • الخبرة الماضية
  • التوقعات
  • الشخصية
  • أنماط التفكير

وهي تمثل العالم الداخلي الذي يفسر به الفرد ما يحدث حوله.

3- العوامل الاجتماعية

  • العائلة
  • الثقافة
  • البيئة الاقتصادية
  • العلاقات
  • التعليم
  • الضغوط البيئية والاجتماعية

علم النفس الحديث يثبت أن أي سلوك أو اضطراب نفسي، هو نتاج تفاعل مستمر بين هذه الأنظمة الثلاثة، وهذا ما تؤكده علوم الأعصاب السلوكية المعاصرة.

علم الأعصاب ونظام النواقل العصبية

إلى جانب المحاور الثلاثة، يبرز محور رابع بالغ الأهمية وهو (المنظومة العصبية الكيميائية) الذي يرتكز حول النواقل العصبية ومن ابرزها:

1- السيروتونين (Serotonin)

  • تنظيم المزاج
  • الإحساس بالشبع
  • القدرة على التحكم الذاتي
  • الاستقرار العاطفي
  • انخفاضه مرتبط بالاكتئاب والاندفاعية وحتى اضطرابات النوم.

2- الدوبامين (Dopamine)

  • نظام المكافأة
  • التحفيز
  • الإدمان
  • التعلم
  • السعي نحو الأهداف
  • اضطرابه يؤدي إلى سلوكيات قهرية، إدمانات، أو انخفاض حاد في الدافع.

3- غابا (GABA)

  • التهدئة
  • التثبيط العصبي
  • منع فرط النشاط الدماغي
  • يُعد خط الدفاع الأول ضد القلق الشديد.

4- الغلوتامات (Glutamate)

  • التعلم
  • الذاكرة
  • التوصيل العصبي السريع
  • زيادة نشاطه ترتبط بالإجهاد السام والاضطرابات العصبية.

5- النورأدرينالين (Norepinephrine)

  • اليقظة
  • القلق
  • الانتباه
  • ردّ الفعل تجاه التهديد
  • خلله يؤدي إلى اضطرابات القلق ونوبات الهلع وضعف التركيز.

6- الأوكسيتوسين (Oxytocin)

  • الترابط الاجتماعي
  • الحب والجنس
  • الثقة
  • يسمى “هرمون الارتباط”، وله أثر اجتماعي وسلوكي عميق.

7- الميلاتونين (Melatonin)

  • تنظيم النوم
  • الإيقاع اليومي
  • الاسترخاء
  • بدونه يختل الروتين الحيوي بأكمله.

إن فهم هذه الشبكة الكيميائية شرط أساسي لتفسير الظواهر النفسية المعقدة مثل الإدمان، الاكتئاب، القلق، اضطرابات الشخصية، وحتى أنماط التفكير واتخاذ القرار.

المناهج البحثية المعاصرة في علم النفس

التقدم العلمي في علم النفس لم يكن ليحدث دون مناهج دقيقة وواسعة النطاق. ومن أهمها:

1- التجارب العشوائية المحكمة (RCT)

  • وهي أكثر الأبحاث دقة في العلوم السلوكية، تعتمد على:
  • عينات كبيرة
  • توزيع عشوائي
  • مجموعات ضبط
  • قياس تأثير متغير واحد أو مجموعة متغيرات

لكن في المجمل هي أساس كل التدخلات النفسية المعتمدة عالميًا مثل (العلاج المعرفي السلوكي، التعرض التدريجي، البرتوكولات الحديثة للقلق والاكتئاب…).

2- التحليل العصبي (fMRI, EEG, MEG)

  • هذه المناهج تربط بين:
  • كل شعور
  • كل قرار
  • كل حركة
  • كل ذاكرة
  • وبين نشاط محدد في مناطق دماغية قابلة للرصد.

أصبحت هذه التقنيات أساس “علم النفس العصبي” و”علم الأعصاب الإدراكي”.

3- الدراسات الطولية (Longitudinal Studies)

  • تتبع نفس الشخص عبر سنوات أو عقود وتتيح:
  • تطوير الشخصية
  • فهم تأثير الطفولة
  • دراسة تغير السلوك عبر الزمن

وهي من أعمق المناهج وأكثرها تعقيدًا لما تحتاج من سنوات طويلة لاتمامها.

4- التحليل متعدد المتغيرات (Multivariate Statistics)

  • يتيح للباحث دراسة:
  • عشرات العوامل
  • آلاف العينات
  • متغيرات مترابطة
  • نماذج تنبؤية للسلوك

وفوق كل شيء هو أساس الدراسات الكبيرة في علم النفس الحديث مثل: تحليل العوامل للشخصية، والنماذج البنيوية، إضافة إلى الخوارزميات التي تتنبأ بالسلوك والمشاعر.

الخاتمة

إذا في النهاية علم النفس اليوم هو علم تجريبي مرتبط مباشرة بعلم الأعصاب والوراثة والبيئة والاقتصاد السلوكي. ومن اجل فهم الإنسان بطريقة دقيقة، لا بد من النظر إلى:

  • البنية العصبية
  • العمليات النفسية
  • العوامل الاجتماعية
  • التفاعل الديناميكي وأيضا النظام الكيميائي العصبي الحاكم للسلوك
  • إنه علم يدرس الإنسان كما هو، لا كما نريد أن يكون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *