سيكولوجي بالعربي

الرهاب (Phobia): اضطراب الخوف المرضي

صورة تعبر عن الرهاب

يُعدّ الرهاب أحد أكثر اضطرابات القلق انتشارًا وتأثيرًا على الأداء النفسي والاجتماعي للفرد، وهو لا يقتصر على الخوف العابر أو القلق الطبيعي، بل يتمثل في خوف شديد، غير عقلاني، ومستمر من موقف أو كائن أو نشاط محدد، يؤدي إلى سلوك تجنّبي واضح، حتى وإن كان المثير غير خطير موضوعيًا.

تشير التقديرات الوبائية العالمية إلى أن نحو 7–10% من سكان العالم يعانون من أحد أشكال الرهاب خلال حياتهم، بينما تُظهر الدراسات الإقليمية أن اضطرابات القلق – وعلى رأسها الرهاب – تمثل أكثر من 40% من الاضطرابات النفسية المشخّصة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وفي المجتمعات العربية تحديدًا، يُلاحظ انخفاض معدلات التشخيص الرسمي مقابل ارتفاع معدلات المعاناة الصامتة، بسبب الوصمة الاجتماعية وضعف الوصول إلى خدمات الصحة النفسية، ما يجعل الرهاب اضطرابًا مستخفيًا لكنه واسع الانتشار.

أعراض الرهاب

تظهر أعراض الرهاب عند التعرّض للمثير المخيف أو حتى عند التفكير به، وتنقسم إلى ثلاث مستويات مترابطة:

1- الأعراض النفسية والمعرفية

  • خوف شديد غير متناسب مع حجم الخطر الحقيقي.
  • فقدان الإحساس بالسيطرة أو الشعور الوشيك بالموت أو الجنون.
  • أفكار كارثية تلقائية (مثل: سأختنق، سأفقد الوعي، سأُحرج أمام الناس).
  • إدراك غير منطقي للخطر مع العجز عن إيقاف الاستجابة.

2- الأعراض الجسدية (الفيزيولوجية)

  • تسارع ضربات القلب (Tachycardia).
  • ضيق في التنفس أو شعور بالاختناق.
  • تعرّق مفرط، رجفة، دوار.
  • غثيان أو اضطرابات معوية.
  • توتر عضلي وألم صدري يشبه أعراض النوبة القلبية.

3- الأعراض السلوكية

  • التجنّب القهري للمثير أو أي سياق قد يقود إليه.
  • إعادة تنظيم الحياة اليومية لتفادي الخوف (اختيار طرق معينة، رفض وظائف، الانعزال).
  • الاعتماد على الآخرين كـ “آلية أمان”.

أسباب الرهاب

الرهاب ليس ظاهرة أحادية السبب، بل نتيجة تفاعل معقّد بين الدماغ، التجربة، والبيئة:

1- الأسباب العصبية–البيولوجية

  • فرط نشاط اللوزة الدماغية (Amygdala)، المسؤولة عن معالجة الخوف.
  • ضعف التنظيم المثبِّط من القشرة الجبهية الأمامية (Prefrontal Cortex).
  • اختلال في نواقل عصبية مثل السيروتونين والنورأدرينالين.
  • استعداد وراثي؛ حيث تزداد احتمالية الإصابة إذا وُجد تاريخ عائلي لاضطرابات القلق.

2- الأسباب النفسية والتجريبية

  • تجربة صادمة مباشرة (حادث، سقوط، هجوم، اختناق).
  • التعلّم الشرطي: ربط مثير محايد بخبرة مخيفة.
  • الملاحظة والتقليد، خاصة في الطفولة (رؤية شخص آخر يتفاعل بخوف مفرط).
  • أساليب تربية قائمة على التخويف أو الحماية الزائدة.

3- الأسباب الاجتماعية والثقافية

  • الضغوط المزمنة وعدم الاستقرار الاقتصادي.
  • ثقافة الكبت العاطفي ووصم الاضطرابات النفسية.
  • غياب التثقيف النفسي المبكر.
  • في بعض المجتمعات، يتم تفسير الرهاب بتفسيرات غيبية، ما يؤخر العلاج العلمي.

طرق علاج الرهاب

علاج الرهاب يُعد من أكثر مجالات العلاج النفسي نجاحًا عند الالتزام بالمنهج الصحيح، ويشمل:

1- العلاج النفسي (الأساس العلاجي)

العلاج المعرفي السلوكي (CBT)

العلاج الأكثر فاعلية، بنسبة تحسّن تتجاوز 70–85%. حيث يركز على:

  • تعديل الأفكار الكارثية.
  • إعادة تفسير الإشارات الجسدية.
  • كسر حلقة الخوف–التجنّب.

العلاج بالتعرّض التدريجي (Exposure Therapy)

  • تعريض منظم وآمن للمثير المخيف.
  • يهدف إلى إعادة برمجة الدماغ على أن الخطر غير حقيقي.
  • يمكن أن يكون واقعيًا أو تخيليًا أو عبر الواقع الافتراضي.

2- العلاج الدوائي (عند الحاجة)

  • يُستخدم في الحالات المتوسطة إلى الشديدة، وتحت إشراف طبي:
  • مضادات الاكتئاب من نوع SSRIs.
  • أحيانًا مهدئات قصيرة المدى (بحذر شديد).

الدواء لا يعالج الرهاب جذريًا، لكنه يهيئ الدماغ للعلاج النفسي.

3- التدخلات الداعمة

  • تقنيات التنفس العميق وتنظيم الجهاز العصبي.
  • تدريب الاسترخاء العضلي.
  • التثقيف النفسي لفهم آلية الخوف.
  • تعديل نمط الحياة (النوم، الكافيين، النشاط البدني).

الخاتمة

الرهاب ليس ضعفًا في الشخصية ولا نقصًا في الإيمان أو الإرادة، بل استجابة عصبية متعلمة قابلة لإعادة البرمجة.

تكمن خطورته الحقيقية في التجنّب المزمن، الذي يحوّل الخوف من عرض نفسي إلى نمط حياة مقيد. ومع تزايد الضغوط في المجتمعات العربية، يصبح التعامل العلمي مع الرهاب ضرورة صحية واقتصادية واجتماعية، لا ترفًا نفسيًا.

إن الفهم الدقيق، التشخيص المبكر، والعلاج القائم على الدليل، كفيلة بتحويل الرهاب من سجن داخلي إلى تجربة يمكن تجاوزها بفعالية واستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *