سيكولوجي بالعربي

مدارس علم النفس

صورة مدارس علم النفس

لم يتطور علم النفس كعلمٍ متجانس ذي مسار واحد، بل نشأ عبر مدارس فكرية متعددة، لكل منها تصورها الخاص عن طبيعة النفس الإنسانية، ومصادر السلوك، وآليات التفكير والانفعال، ومنهج البحث العلمي. هذه المدارس ليست مجرد اختلافات نظرية، بل تعكس صراعات معرفية عميقة بين الفلسفة والعلم، وبين التفسير البيولوجي والاجتماعي، وبين الوعي واللاوعي، وبين الفرد والبيئة.

إن دراسة مدارس علم النفس لا تهدف إلى الحفظ النظري، بل إلى فهم البنية العميقة للعلم نفسه: كيف يفكر العلماء؟ كيف يُعرّفون الإنسان؟ وكيف تتغير هذه التعريفات بتغير السياق التاريخي والثقافي والسياسي.

المدرسة البنيوية (Structuralism)

المؤسس: فيلهلم فونت، وطوّرها إدوارد تيتشنر – الفترة الزمنية: أواخر القرن التاسع عشر

1- الفكرة الجوهرية

سعت المدرسة البنيوية إلى تحليل الخبرة النفسية إلى عناصرها الأولية، تمامًا كما يحلل الكيميائي المادة إلى عناصر. افترضت أن الوعي يمكن تفكيكه إلى:

  • الإحساسات
  • المشاعر
  • الصور الذهنية

2- المنهج

اعتمدت على الاستبطان المنظم، حيث يصف الفرد خبراته الشعورية بدقة تحت شروط مخبرية.

3- الإسهام العلمي

  • وضعت الأساس لعلم النفس التجريبي
  • نقلت دراسة النفس من الفلسفة إلى المختبر

4- النقد البنيوي

  • ذاتية عالية وعدم قابلية التحقق
  • إهمال السلوك غير الواعي
  • فشل في تفسير السلوك المعقّد

المدرسة الوظيفية (Functionalism)

الرواد: ويليام جيمس، جون ديوي – التأثير الفكري: نظرية التطور لداروين

1- الفكرة الجوهرية

  • بدل السؤال: مم يتكون الوعي؟ طرحت سؤالًا أعمق:
  • ما وظيفة العمليات النفسية؟ ولماذا وُجدت؟
  • ركزت على دور التفكير والانفعال في التكيف مع البيئة.

2- الخصائص

  • الاهتمام بالسلوك العملي
  • التركيز على الفرد في بيئته
  • دراسة الفروق الفردية

3- الإسهام العلمي

  • مهدت لعلم النفس التطبيقي
  • أثرت في التربية وعلم النفس الصناعي

المدرسة السلوكية (Behaviorism)

الرواد: جون واطسون، إيفان بافلوف، بورهوس سكينر – الفترة: أوائل إلى منتصف القرن العشرين

1- الفكرة الجوهرية

رفضت السلوكية دراسة الوعي أو اللاوعي، واعتبرت أن: السلوك الظاهر القابل للملاحظة هو الموضوع العلمي الوحيد

2- المبادئ الأساسية

  • السلوك نتاج مثير–استجابة
  • التعلم يتم عبر التعزيز والعقاب
  • العقل “صندوق أسود”

3- المنهج

  • التجريب الصارم
  • القياس الكمي

4- الإسهام العلمي

  • تطوير نظريات التعلم
  • تطبيقات واسعة في التعليم والعلاج السلوكي

5- النقد العلمي

  • اختزال الإنسان إلى آلة استجابة
  • إهمال المشاعر والمعنى
  • فشل في تفسير الإبداع واللغة

مدرسة التحليل النفسي (Psychoanalysis)

المؤسس: سيغموند فرويد – التأثير: الطب، الفلسفة، الأنثروبولوجيا

1- الرؤية الأساسية

يرى التحليل النفسي أن السلوك الإنساني تحكمه قوى لاواعية، غالبًا جذورها في الطفولة.

2- البنية النفسية

  • الهو: الغرائز
  • الأنا: التوازن
  • الأنا الأعلى: القيم والضمير

3- المفاهيم المركزية

  • الصراعات النفسية
  • الكبت
  • الأحلام
  • آليات الدفاع

4- الإسهام العلمي

  • اكتشاف اللاوعي
  • تطوير العلاج بالكلام
  • فهم عميق للاضطرابات النفسية

5- النقد العلمي

  • صعوبة التحقق التجريبي
  • تركيز مفرط على الجنس والطفولة
  • تحيز ثقافي

المدرسة الإنسانية (Humanistic Psychology)

الرواد: كارل روجرز، أبراهام ماسلو – وهي رد فعل على: السلوكية والتحليل النفسي

1- الفكرة الجوهرية

تنظر إلى الإنسان ككائن:

  • واعٍ جدا
    حر ومستقل
    يسعى لتحقيق ذاته

2- المبادئ الأساسية

  • تحقيق الذات
  • الخبرة الذاتية
  • القبول غير المشروط

3- الإسهام العلمي

  • ثورة في العلاج النفسي
  • التركيز على الصحة النفسية لا المرض
  • تعزيز الكرامة الإنسانية

4- النقد العميق

  • ذاتية عالية
  • ضعف المنهج التجريبي
  • صعوبة التعميم

المدرسة المعرفية (Cognitive Psychology)

الفترة: منذ خمسينيات القرن العشرين

1- الفكرة الجوهرية

تدرس العمليات العقلية الداخلية مثل:

  • التفكير
  • الذاكرة
  • الانتباه
  • حل المشكلات
  • ترى العقل كنظام معالجة معلومات.

2- الإسهام العلمي

  • تفسير اللغة
  • فهم الذكاء
  • تطوير العلاج المعرفي السلوكي (CBT)

3- القوة العلمية

  • دمج التجريب مع النمذجة
  • ارتباط وثيق بعلم الأعصاب والذكاء الاصطناعي

المدرسة البيولوجية-العصبية

1- المنظور العلمي

ترى السلوك كنتيجة مباشرة لـ:

  • الدماغ
  • النواقل العصبية
  • الجينات

2- الإسهام العلمي

  • تفسير الاضطرابات النفسية بيولوجيًا
  • تطوير الأدوية النفسية
  • ربط النفس بالجسد

3- النقد الموجه

  • الاختزال البيولوجي
  • تجاهل المعنى والسياق الاجتماعي

الخاتمة

إن مدارس علم النفس ليست متناقضة بقدر ما هي مستويات تفسير مختلفة للإنسان. كل مدرسة تضيء جانبًا وتُظلم آخر. الفهم العميق لا يتحقق باختيار مدرسة واحدة، بل عبر نموذج تكاملي يدمج:

  • البيولوجيا
  • العقل
  • النفس
  • المجتمع
  • المعنى

وهذا هو الاتجاه المعاصر الحقيقي لعلم النفس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *