سيكولوجي بالعربي

لماذا يكذب الأطفال؟ وكيف نتعامل مع الكذب

كذب الأطفال من أكثر السلوكيات التي تُقلق الأهل، وغالباً ما يُفسَّر على أنه مشكلة أخلاقية أو خلل في التربية. لكن علم النفس يؤكد أن الكذب عند الأطفال ليس ظاهرة واحدة، ولا يعني دائماً سوء النية أو ضعف القيم. في كثير من الحالات، يكون الكذب جزءاً طبيعياً من النمو العقلي والانفعالي، ويتغير مع العمر والبيئة وطريقة تعامل الوالدين.

الفهم الصحيح لأسباب الكذب هو الخطوة الأولى للتعامل معه بذكاء نفسي، دون إفراط في العقاب أو التهاون، ودون إلحاق ضرر بثقة الطفل أو صحته النفسية.

ما هو الكذب عند الأطفال من منظور علم النفس؟

من الناحية النفسية، الكذب هو تقديم معلومة غير صحيحة مع وعي جزئي أو كامل بعدم صحتها. لكن عند الأطفال، هذا التعريف يحتاج إلى تعديل مهم، لأن:

  • الطفل لا يمتلك دائماً فهماً واضحاً للحقيقة
  • قدرته على التمييز بين الخيال والواقع تتطور تدريجياً
  • وعيه بالعواقب الأخلاقية للسلوك ينمو مع الزمن
  • لذلك، ليس كل كلام غير صحيح يقوله الطفل يُعد كذباً بالمعنى الأخلاقي.

متى يبدأ الأطفال بالكذب؟

علم النفس التنموي يوضح أن الكذب يظهر غالباً بين عمر 3 إلى 5 سنوات، وهذا الظهور ليس مقلقاً بحد ذاته، بل يدل على تطور قدرات عقلية مهمة مثل:

  • التخيل والخيال
  • التفكير الرمزي والتفكير بالنفس
  • ادراكه أن الآخرين لا يعرفون ما في عقله

أي أن الكذب في هذه المرحلة قد يكون مؤشراً على تطور معرفي طبيعي، وليس انحرافاً سلوكياً.

الأسباب الشائعة لكذب الأطفال

  • الخوف من العقاب، وأكثر سبب شائع للكذب.
  • الطفل يتعلم أن الحقيقة قد تؤدي إلى عقاب، فيختار الكذب كوسيلة دفاعية.
  • الرغبة في إرضاء الوالدين، اي ان بعض الأطفال يكذبون ليبدوا “أفضل” في نظر الأهل. ولاحظ ان الطفل هنا يسعى للقبول والمديح، لا للخداع.
  • الخيال الواسع، حيث قد يروي الطفل أحداثاً لم تحدث فعلاً، لكنه لا يقصد الكذب، بل يخلط بين الخيال والواقع.

هذا النوع من “الكذب” طبيعي تماماً، ويقل مع النضج العقلي.

تقليد الكبار، يجب ان تدرك ان الأطفال يتعلمون بالسلوك أكثر من الكلام.
فعندما يرى الطفل الكبار: يبررون – يخفون الحقيقة – يكذبون “كذبات بيضاء” ،فهو يتعلم أن الكذب أداة مقبولة في بعض المواقف.

جذب الانتباه: بعض الأطفال يكذبون ليكونوا محور الاهتمام. وغالباً ما يظهر هذا النوع من الكذب عند الأطفال الذين يشعرون بقلة الاهتمام العاطفي.

أنواع الكذب عند الأطفال

من المهم التمييز بين الأنواع وشدة خطورتها:

  • 1- الكذب الخيالي: طبيعي في الطفولة المبكرة وضروري لبناء مخيلة الطفل
  • 2- الكذب الدفاعي: نتيجة الخوف ويجب على الوالدين التعامل معه بحذر وتفهيمه ان الحقيقة هي الصواب والنجاة بشتى الطرق
  • 3- الكذب الاجتماعي: وتصرف لتجنب الإحراج، لذلك تجنب تكذيب طفلك او سؤاله أسئلة لا يريد الجواب عنها اما الاخرين لأنه سيكذب ليتجنب الاحراج
  • 4- الكذب المتكرر المتعمد: يحتاج انتباهاً أكبر وهو مؤشر ان الطفل يعتبر الكذب شيء يسهل عليه الحصول على المدح او الهرب من العقاب او إخفاء الأشياء وهو ليس مؤشر إيجابي
  • 5- الكذب المرتبط بالتغطية عن السرقة أو الإيذاء للأخرين: وهو مؤشر يستدعي تدخلاً تربوياً أعمق لتجنب تحوله لفساد أخلاقي وفشل في التربية

أخطاء شائعة في تعامل الأهل مع كذب الطفل

علم النفس يحذر من بعض الأساليب التي تزيد الكذب بدلاً من علاجه:

  • الضرب أو الإهانة
  • الصراخ والتحقيق
  • وصف الطفل بأنه “كذاب”
  • إحراجه أمام الآخرين
  • المبالغة في العقوبة
  • التركيز على العقاب بدل الفهم

هذه الأساليب: تزيد الخوف – تضعف الثقة – تدفع الطفل للكذب بشكل أذكى وليس أقل

القاعدة الذهبية – افصل بين السلوك والطفل

أهم مبدأ نفسي يجب ان تعرفه حول الطفل هو انه الان في مرحلة تكوين فهم حول السلوكيات، لذلك وضح له ان السلوك خاطئ، لكن الطفل ليس كذلك.

قولي: “الكذب تصرف غير صحيح
ولا تقولي: “أنت كذاب” أو “أنت سيء

هذا الفرق البسيط يحمي صورة الطفل عن نفسه، ويجعله أكثر استعداداً للتغيير.

كيفية التعامل اللفظي الصحيح مع كذب الأطفال

1- الهدوء أولاً وخصوصاً عند اكتشاف الكذب:

  • لا تنفعل
  • لا ترفع صوتك
  • لا تبدأ بالاتهام
  • يجب ان تدرك ان الإنفعال يغلق الحوار.

2- استخدم السؤال بدل من التحقيق:

بدل قول: “لماذا كذبت؟!”
قولي: “ساعدني أفهم ما الذي حصل

السؤال الهادئ يفتح باب الصدق.

3- ركز على الشعور قبل الخطأ:

مثالا “هل كنت خائفاً أن نغضب منك، أليس كذلك
هذا يساعد الطفل على تسمية مشاعره والاعتراف بها بدل إخفائها بالكذب.

4- وضّح العواقب بهدوء:

اشرحي أن الخطأ مقبول لكن الكذب يُصعّب الثقة
مثال: “الخطأ يمكن إصلاحه، لكن الكذب يجعلني لا أعرف كيف أساعدك

5- كافئ الصدق وليس الكمال:

إذا قال الطفل الحقيقة رغم الخطأ: “أنا فخورة لأنك قلت الحقيقة
هذا يعزز الصدق أكثر من أي عقاب.

6- علمه البدائل اللفظية:

بدل الكذب، علميه أن يقول:

  • أنا خائف من العقاب
  • اخطئت في شيء كبير
  • احتاج الى مساعدة
  • اشعر بالوحدة وعدم الاهتمام
  • ارغب ان تشتروا لي ذلك الشيء الذي احب

فالكذب غالباً يأتي من عجز لغوي عاطفي، فتعليم الطفل اللغة التعبيرية سيزيد من ميله نحو الحقيقة.

بناء بيئة تشجع الصدق

الطفل يصبح اصدق أكثر بكثير عندما:

  • يشعر بالأمان
  • يعلم أن الخطأ لا يعني الرفض
  • يرى الصدق في سلوك الكبار
  • تُحترم مشاعره

وهنا نستنتج ان الصدق لدى الطفل لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالثقة وبالقدوة الحسنة.

الخاتمة

كذب الأطفال ليس دائماً مشكلة أخلاقية بل غالباً هو رسالة نفسية موجهة نحو الوالدين، وشدة ونوعية الكذب يتأثر بشدة بأسلوب تعامل الكبار مع الطفل سوءا قبل الكذب وخلاله وبعده،

والتعامل الصحيح لا يهدف إلى “كشف الكذب”، بل إلى:

  • فهم الدافع
  • تقوية الأمان
  • تعليم الصدق كقيمة عملية
  • بناء علاقة قائمة على الثقة لا الخوف

الطفل الذي يشعر بالأمان، لا يحتاج للكذب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *