سيكولوجي بالعربي

علم النفس العصبي

صورة تعبر عن علم النفس العصبي

يُعدّ علم النفس العصبي (Neuropsychology) أحد أكثر الفروع تطورًا ودقة في العلوم النفسية الحديثة، إذ يقف على الحد الفاصل بين الدماغ والسلوك الإنساني، ويبحث في كيفية إنتاج العمليات العقلية — مثل الذاكرة، والانتباه، واللغة، والانفعالات — من خلال البنى العصبية والخلايا والنواقل الكيميائية.

يختلف هذا المجال عن علم النفس التقليدي في أنه لا يكتفي بوصف السلوك، بل يتتبّع جذوره داخل الدماغ، ويحلل آلياته البيولوجية والكهروكيميائية، ويربطها بوظائف معرفية وانفعالية ملموسة. إنه علم يحوّل “الظاهرة النفسية” إلى خارطة عصبية قابلة للقياس.

يُعرَّف علم النفس العصبي بأنه: العلم الذي يدرس العلاقة بين الجهاز العصبي المركزي—وخاصة الدماغ—وبين السلوك الإنساني والإدراك والمعرفة والانفعالات.

ولهذا يتعامل علم النفس العصبي مع:

  • وظائف الدماغ العليا (Higher Cortical Functions)
  • تأثير الإصابات الدماغية
  • الاضطرابات المعرفية والانفعالية
  • تطور الدماغ والنضج العصبي
  • التفاعلات الكيميائية العصبية (Neurochemical Dynamics)
  • الدوائر العصبية الخاصة بالذاكرة، الانتباه، العاطفة، القرار…

إنه علم يُعيد تشكيل فهمنا للإنسان بوصفه نظامًا عصبيًا متكاملاً.

أبعاد علم النفس العصبي

للوجود السلوكي الإنساني ثلاث مساحات يعمل علم النفس العصبي على فك تشابكها:

1- البُعد البنيوي (Structural Neuropsychology)

  • القشرة الدماغية
  • الفصوص الأربع (الجبهية، الجدارية، القذالية، الصدغية)
  • الجهاز الحوفي (مركز العاطفة والذاكرة)
  • العقد القاعدية
  • المخيخ
  • جذع الدماغ
  • ويربط كل منطقة بوظيفة سلوكية أو معرفية.

2- البُعد الوظيفي (Functional Neuropsychology)

  • آليات صنع القرار
  • الانتباه والتشتت
  • الذاكرة والقدرة على التذكر
  • المعالجة اللغوية
  • الانفعالات والاندفاع
  • التعلم والمكافأة
  • ويدرس كيف تتعاون مناطق الدماغ لإنجاز مهمة واحدة.

3- البُعد الكيميائي-الكهربي

  • النواقل العصبية مثل الدوبامين، السيروتونين، GABA، الغلوتامات
  • الإشارات الكهربائية العصبية
  • التذبذبات الدماغية (Alpha, Beta, Gamma Waves)
  • التوازن بين الإثارة والتثبيط العصبي
  • تأثير الهرمونات والإجهاد على الدماغ

هذا البعد يفسر لماذا تظهر اضطرابات مثل: القلق، الاكتئاب، الإدمان، الوسواس، واضطرابات الشخصية.

كيف يدرس علم النفس العصبي الدماغ؟

يعتمد هذا العلم على مجموعة أدوات تشخيصية وبحثية متقدمة، أهمها:

1- التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)

  • دراسة نشاط الدماغ لحظة حدوثه
  • الخرائط الوظيفية للمشاعر
  • مسارات اتخاذ القرار
  • مراكز الذاكرة والانتباه

2- التخطيط الكهربائي للدماغ (EEG)

  • قياس الذبذبات الدماغية
  • سرعة المعالجة
  • حالات اليقظة والنوم
  • الاستجابات اللحظية للمثيرات

3- التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة (TMS)

  • فهم تعطيل أو تنشيط مناطق محددة
  • فهم الوظائف الدقيقة
  • علاج بعض الاضطرابات

4- الاختبارات العصبية النفسية (Neuropsychological Tests)

وهي بطاريات قياس للذاكرة، الانتباه، حل المشكلات، اللغة، السرعة الذهنية، مثل: WAIS او WMS اضافة الى Stroop Test

الاضطرابات التي يفسرها علم النفس العصبي

يقدّم هذا العلم أحدث إطار لفهم وتشخيص وعلاج عدد من الاضطرابات المعقدة، مثل:

  • الإدمان (اضطراب مسار المكافأة Dopamine Circuit)
  • الاكتئاب (اضطراب السيروتونين والاتصال الجبهي الحوفي)
  • القلق (فرط تنبيه اللوزة Amygdala)
  • ADHD (ضعف الشبكات التنفيذية في الفص الجبهي)
  • اضطرابات الذاكرة مثل الزهايمر
  • اضطرابات التعلم
  • الإصابات الدماغية
  • التوحد
  • الوسواس القهري (OCD)
  • اضطرابات النوم

هذه الاضطرابات لم تعد مفاهيم غامضة، بل أنماط خلل عصبي يمكن قياسه وعلاجه.

الدماغ والسلوك: نموذج التفاعل العصبي النفسي

يرى علم النفس العصبي أن السلوك الإنساني ليس نتاج عامل واحد، بل تفاعل متعدد المستويات:

  • بنية عصبية (Neural Structure)
  • شبكات تواصل (Connectivity)
  • نواقل كيميائية (Neurotransmitters)
  • عمليات معرفية (Cognition)
  • تاريخ شخصي وخبرات
  • بيئة ثقافية واجتماعية

وبالتالي، لا يمكن فهم أي سلوك دون دراسة: ما يحدث في الدماغ، وكيف يعي الفرد ذلك، اضافة الى كيف تظهر النتيجة في الواقع. هذا التكامل هو ما جعل علم النفس العصبي حجر الأساس في العلوم السلوكية الحديثة.

لماذا يعد علم النفس العصبي مهمًا؟

ذلك لأنّه يساهم في تقديم:

  • تفسيرًا دقيقًا للسلوك على مستوى الدماغ
  • تشخيصًا أقوى للاضطرابات النفسية
  • علاجات قائمة على الأدلة العصبية
  • فهمًا للتعلم، الذكاء، الذاكرة، الدافع
  • رؤية موضوعية للدوافع البشرية
  • أساسًا علميًا للطب النفسي الحديث
  • جسرًا بين علم النفس وعلم الأعصاب والطب

كما أنه يغيّر نظرتنا للإنسان، من كائن “غامض” إلى منظومة عصبية مذهلة التعقيد.

ختامًا

علم النفس العصبي ليس فرعًا جانبيًا، بل العمود الفقري لعلم النفس الحديث. إنه العلم الذي يشرح السلوك من جذوره الدماغية، ويوضح كيف تنشأ الأفكار والذكريات والعواطف، وكيف يتحول النشاط العصبي إلى قرارات وسلوكيات، وكيف يمكن تعديل هذا النشاط لتحسين الحياة البشرية.

إنه باختصار: العلم الذي يربط العقل بالدماغ، ويحوّل النفس الإنسانية إلى خارطة علمية قابلة للفهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *