سيكولوجي بالعربي

ضعف الرغبة الجنسية بعد الزواج

صورة عن ضعف الرغبة الجنسية

يُعد ضعف الرغبة الجنسية بعد الزواج من أكثر المشكلات شيوعًا في العلاقات الزوجية، إلا أنه غالبًا ما يُساء فهمه أو يُختزل في تفسيرات أخلاقية أو شخصية غير دقيقة. علميًا، الرغبة الجنسية ليست حالة ثابتة، بل عملية ديناميكية تتأثر بالبنية النفسية، والوظائف الهرمونية، وجودة العلاقة، والسياق الاجتماعي–الثقافي المحيط. تجاهل هذه العوامل يؤدي إلى تضخيم المشكلة وتحويلها من حالة قابلة للعلاج إلى صراع زوجي مزمن.

تشير تحليلات علم النفس السريري والطب الجنسي إلى أن انخفاض الرغبة بعد الزواج لا يعني بالضرورة خللًا جنسيًا، بل غالبًا ما يكون مؤشرًا على اختلال أعمق في التوازن النفسي أو العاطفي أو الحياتي.

ما هو ضعف الرغبة الجنسية؟

يُعرَّف ضعف الرغبة الجنسية (Hypoactive Sexual Desire) بأنه انخفاض ملحوظ ومستمر في الدافع أو الاهتمام بالنشاط الجنسي، يسبب ضيقًا نفسيًا أو توترًا في العلاقة، ولا يمكن تفسيره فقط بعامل عضوي مباشر أو بمرحلة مؤقتة عابرة.

من الناحية السريرية، لا يُشخَّص الاضطراب إلا إذا:

  • استمر الانخفاض لفترة طويلة (عادة 6 أشهر أو أكثر)
  • سبب معاناة نفسية أو خلافات زوجية
  • لم يكن ناتجًا حصريًا عن مرض جسدي واضح

مدى انتشار الظاهرة

تشير الدراسات العالمية إلى أن:

  • 30–40% من النساء المتزوجات يمررن بفترات ضعف في الرغبة الجنسية.
  • 15–25% من الرجال المتزوجين يعانون من انخفاض الرغبة في مرحلة ما بعد الزواج أو الاستقرار الأسري.
  • في المجتمعات العربية، يُعتقد أن النسب أعلى نسبيًا، بسبب الضغط الاقتصادي، الكبت الجنسي قبل الزواج، وضعف الثقافة الجنسية، وصعوبة طلب المساعدة النفسية.
  • هذه الأرقام تعكس ظاهرة واسعة الانتشار وليست حالات فردية نادرة.

مدى انتشار الظاهرة

1- الأسباب النفسية

العامل النفسي يُعد من أقوى محددات الرغبة الجنسية، ومن أبرز أسبابه:

  • القلق والاكتئاب
  • الضغط المزمن والمسؤوليات اليومية
  • الإرهاق الذهني وفقدان الإحساس بالسيطرة
  • الصدمات النفسية أو الجنسية السابقة
  • انخفاض تقدير الذات أو صورة الجسد

من الناحية العصبية، تؤدي هذه الحالات إلى ارتفاع هرمون الكورتيزول، الذي يثبط مباشرة مراكز الرغبة في الدماغ.

2- الأسباب العاطفية والعلاقية

جودة العلاقة الزوجية تلعب دورًا محوريًا في تحفيز أو إخماد الرغبة، وتشمل العوامل:

  • ضعف التواصل العاطفي
  • الصراعات المستمرة أو غير المحلولة
  • غياب الأمان النفسي
  • الروتين والملل
  • استخدام الجنس كوسيلة ضغط أو واجب

العلاقة التي تفتقر إلى الدفء العاطفي غالبًا ما تنتج جسدًا غير راغب.

3- الأسباب البيولوجية والهرمونية

عند الرجال:

  • انخفاض هرمون التستوستيرون
  • السمنة وقلة النشاط البدني
  • اضطرابات النوم
  • بعض الأدوية (مضادات الاكتئاب، أدوية الضغط)

عند النساء:

  • اضطرابات الغدة الدرقية
  • ارتفاع هرمون البرولاكتين
  • الحمل والولادة والرضاعة
  • موانع الحمل الهرمونية
  • الألم أثناء العلاقة الجنسية

4- العوامل الاجتماعية والثقافية

خصوصًا في المجتمعات العربية:

  • الانتقال المفاجئ من الكبت الجنسي إلى الزواج دون تأهيل نفسي
  • تصورات غير واقعية عن الجنس بعد الزواج
  • الخجل من التعبير عن الرغبات أو الرفض
  • ربط الجنس بالواجب لا بالمتعة
  • وصمة مراجعة المختصين

هذه العوامل تُضعف العلاقة بين الرغبة والراحة النفسية.

الأعراض المصاحبة

  • غياب المبادرة الجنسية
  • فتور الإثارة أو المتعة
  • تجنب التقارب الجسدي
  • شعور بالذنب أو البرود العاطفي
  • تصاعد الخلافات الزوجية

طرق العلاج والتعامل العلمي

1- العلاج النفسي

  • العلاج المعرفي السلوكي
  • العلاج الزوجي
  • معالجة الصدمات النفسية
  • إعادة بناء التواصل العاطفي

2- العلاج الطبي

  • فحوصات هرمونية شاملة
  • تعديل الأدوية المؤثرة على الرغبة
  • علاج الألم الجسدي أو اضطرابات النوم

3- التثقيف الجنسي

  • فهم أن الرغبة الجنسية متغيرة وليست ثابتة
  • تصحيح المفاهيم الخاطئة
  • تعلم مهارات التواصل الجنسي الصحي

4- تعديل نمط الحياة

  • تقليل التوتر
  • ممارسة النشاط البدني
  • تحسين النوم
  • تعزيز صورة الجسد والراحة النفسية

الخاتمة

ضعف الرغبة الجنسية بعد الزواج ليس فشلًا زوجيًا ولا خللًا أخلاقيًا، بل إشارة دقيقة إلى حالة التوازن النفسي والعاطفي والجسدي داخل العلاقة. التعامل العلمي الواعي مع هذه الظاهرة يحوّلها من مصدر صراع إلى فرصة لإعادة بناء العلاقة على أسس أكثر صحة وواقعية.

فالرغبة الجنسية، في جوهرها، ليست مجرد وظيفة جسدية، بل انعكاس مباشر لجودة الحياة النفسية والعاطفية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *