سيكولوجي بالعربي

تأثير علم الوراثة على الصحة النفسية

صورة عن الوراثة

لم تعد الصحة النفسية تُفهم اليوم بوصفها نتاجًا للتجارب الحياتية أو العوامل الاجتماعية فقط، بل باتت تُدرَس ضمن إطار بيولوجي-جيني معقّد، تتداخل فيه الوراثة مع البيئة والتجربة الفردية. فقد أظهرت الأبحاث الحديثة أن كثيرًا من الاضطرابات النفسية الكبرى تمتلك مكوّنًا وراثيًا واضحًا، دون أن يعني ذلك حتمية الإصابة، بل استعدادًا بيولوجيًا قابلًا للتفعيل أو التعطيل وفق الظروف.

علم الوراثة النفسية (Psychiatric Genetics) هو الحقل العلمي الذي يسعى إلى فهم كيف تسهم الجينات في تشكيل البنية النفسية، وتنظيم الانفعالات، وأنماط التفكير، والاستعداد للإصابة بالأمراض النفسية. وتكمن أهمية هذا العلم في كونه ينقلنا من تفسير سطحي للأمراض النفسية إلى نموذج تفسيري عميق متعدد المستويات.

ما المقصود بتأثير الوراثة في الصحة النفسية؟

الوراثة في السياق النفسي تعني انتقال الاستعدادات البيولوجية من الآباء إلى الأبناء عبر الجينات، وليس انتقال المرض نفسه بشكل مباشر. فالجينات لا تحمل “الاكتئاب” أو “الفصام” بحد ذاته، بل تحمل شيفرات تؤثر في:

  • تنظيم النواقل العصبية (مثل السيروتونين والدوبامين)
  • بنية الدماغ ووظائفه
  • استجابة الجهاز العصبي للضغط
  • القدرة على تنظيم المشاعر والانفعالات

وبالتالي، فإن الوراثة تمنح الفرد قابلية أو هشاشة نفسية قد تتحول إلى اضطراب فعلي عند توافر ظروف بيئية معينة.

الأدلة العلمية على دور الوراثة في الاضطرابات النفسية

تعتمد المعرفة العلمية في هذا المجال على ثلاثة مصادر رئيسية:

1- دراسات التوائم

أظهرت دراسات التوائم المتماثلة (التي تتشارك 100% من الجينات) أن احتمال إصابة كلا التوأمين بالاضطراب نفسه أعلى بكثير مقارنة بالتوائم غير المتماثلة، خصوصًا في اضطرابات مثل:

  • الفصام
  • الاضطراب ثنائي القطب
  • اضطرابات القلق الشديدة
  • وهذا يشير بوضوح إلى وجود عامل وراثي قوي.

2- الدراسات العائلية

لوحظ أن بعض الاضطرابات النفسية تتكرر داخل العائلات عبر أجيال متتالية، حتى مع اختلاف البيئات الاجتماعية، ما يدعم فرضية الاستعداد الجيني.

3- دراسات الجينوم (GWAS)

حددت الأبحاث الحديثة مئات المتغيرات الجينية الصغيرة التي تسهم مجتمعة في زيادة خطر الإصابة باضطرابات نفسية معينة، وهو ما يُعرف بـ الوراثة متعددة الجينات.

أهم الاضطرابات النفسية ذات المكوّن الوراثي

1- الاكتئاب

يُقدَّر أن العامل الوراثي يسهم بنسبة تتراوح بين 30–40% في الاكتئاب، بينما تلعب البيئة والضغوط النفسية الدور الأكبر في تفعيله.

2- الفصام

يُعد من أكثر الاضطرابات النفسية ارتباطًا بالوراثة، حيث تصل نسبة الاستعداد الوراثي إلى نحو 70–80%، مع بقاء البيئة عاملًا حاسمًا في ظهور الأعراض.

3- الاضطراب ثنائي القطب

يتميز بارتباط وراثي قوي، خاصة في العائلات التي يظهر فيها المرض عبر أجيال متعددة.

4- اضطرابات القلق

تشمل القلق العام، الرهاب، واضطراب الهلع، وتُظهر ارتباطًا جينيًا متوسطًا، غالبًا مرتبطًا بحساسية الجهاز العصبي.

5- اضطرابات الشخصية

بعض سمات الشخصية (كالاندفاعية، العصابية، أو البرود العاطفي) لها جذور وراثية، لكنها تتشكل نهائيًا عبر التربية والتجربة.

الوراثة ليست قدرًا حتميًا

من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن وجود تاريخ عائلي للمرض النفسي يعني حتمية الإصابة. علميًا، هذا الاعتقاد غير دقيق للأسباب التالية:

  • الجينات تعطي استعدادًا لا مصيرًا
  • البيئة قد تعطل الجينات الممرِضة أو تفعلها
  • الوعي النفسي والعلاج المبكر يقللان بشكل كبير من احتمالية ظهور الاضطراب

وهنا يظهر مفهوم التفاعل بين الجين والبيئة (Gene–Environment Interaction)، وهو حجر الأساس في الفهم الحديث للصحة النفسية.

علم التخلّق (Epigenetics) وتغيير التعبير الجيني

علم التخلّق يدرس كيف يمكن للعوامل البيئية—كالصدمة النفسية، سوء التربية، أو حتى نمط الحياة—أن تغيّر طريقة عمل الجينات دون تغيير تسلسلها.

على سبيل المثال:

  • التعرض للعنف أو الإهمال في الطفولة قد “يُشغّل” جينات مرتبطة بالاكتئاب أو القلق
  • الدعم العاطفي والعلاج النفسي قد “يُطفئ” تعبير هذه الجينات
  • وهذا يفتح أفقًا علميًا مهمًا: حتى الجينات القوية التأثير ليست ثابتة في نتائجها.

وهنا يظهر مفهوم التفاعل بين الجين والبيئة (Gene–Environment Interaction)، وهو حجر الأساس في الفهم الحديث للصحة النفسية.

الآثار السريرية والمعرفية لفهم الوراثة النفسية

فهم الدور الوراثي في الصحة النفسية يغيّر جذريًا طريقة التعامل مع المرض النفسي من حيث:

  • تقليل الوصمة الاجتماعية
  • تحسين التشخيص المبكر
  • تصميم علاجات دوائية أكثر دقة (الطب النفسي الشخصي)
  • تعزيز الوقاية بدل الاكتفاء بالعلاج

كما يساهم هذا الفهم في نقل الخطاب النفسي من اللوم الأخلاقي إلى التحليل العلمي البنيوي.

الخاتمة

إن تأثير الوراثة على الصحة النفسية حقيقة علمية راسخة، لكنها ليست تفسيرًا اختزاليًا أو حتميًا. الجينات تضع الإطار، لكن التجربة الإنسانية تكتب التفاصيل. ومن هنا، فإن المقاربة العلمية المتقدمة للصحة النفسية لا تنحاز للجينات وحدها ولا للبيئة وحدها، بل ترى الإنسان كنظام ديناميكي معقّد تتفاعل فيه البيولوجيا مع المعنى، والوراثة مع الوعي.

إن إدراك هذه الحقيقة لا يعمّق فهمنا للاضطرابات النفسية فحسب، بل يعيد تعريف الإنسان نفسه: ككائن يحمل تاريخًا جينيًا، لكنه يمتلك في الوقت ذاته قدرة حقيقية على التغيير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *