سيكولوجي بالعربي

اضطرابات الأكل وتأثيرها على الصحة النفسية

صورة تعبر عن التاثير الصحي النفسي

تُعدّ اضطرابات الأكل من أكثر الاضطرابات النفسية تعقيدًا وتشابكًا، إذ تتداخل فيها العوامل البيولوجية والمعرفية والاجتماعية معًا. وتتميّز هذه الاضطرابات بأنها لا تتعلق بالطعام فقط، بل بالصورة الذاتية، ضبط المشاعر، والقدرة على التعامل مع الضغوط. وقد ارتفعت معدلاتها خلال العقد الأخير عالميًا، خصوصًا مع تأثير مواقع التواصل الاجتماعي، ضغوط الجسد المثالي، وتزايد القلق والاكتئاب بين المراهقين والشباب.

تؤثر اضطرابات الأكل بشكل مباشر وعميق على الصحة النفسية، وترتبط بمضاعفات جسدية قد تكون خطيرة إذا لم يتم التدخل المبكر.

أنواع اضطرابات الأكل

تشمل اضطرابات الأكل مجموعة من الحالات النفسية التي تتسم بأنماط غير طبيعية في تناول الطعام أو التحكم في الوزن، وذلك نتيجة اضطرابات معرفية وانفعالية متصلة بصورة الجسد وتقدير الذات. وأبرزها:

1- فقدان الشهية العصبي (Anorexia Nervosa)

الامتناع المفرط عن تناول الطعام خوفًا من زيادة الوزن، مع صورة مشوّهة للجسد.

2- النهام العصبي (Bulimia Nervosa)

نوبات أكل شرهة يتبعها سلوك تعويضي (استفراغ، صيام شديد، أو تمارين قاسية).

3- اضطراب نوبات الأكل الشره (Binge Eating Disorder)

تناول كميات كبيرة من الطعام بسرعة وبلا تحكم، دون سلوك تعويضي.

4- اضطرابات أخرى أقل شيوعًا

مثل اضطراب تجنّب/تقييد الأطعمة (ARFID) واضطراب الاجترار.

أسباب اضطرابات الأكل

تشير الدراسات النفسية والعصبية إلى أن المرض ينشأ نتيجة مجموعة عوامل مترابطة:

1- العوامل البيولوجية

  • اختلال في الناقلات العصبية (مثل السيروتونين والدوبامين).
  • الاستعداد الوراثي، إذ تزيد احتمالات الإصابة في حال وجود تاريخ عائلي للاضطرابات النفسية.
  • تأثير التغيرات الهرمونية، خصوصًا لدى المراهقين.

2- العوامل النفسية

  • تدني تقدير الذات.
  • الكمالية المفرطة (Perfectionism).
  • صعوبات تنظيم المشاعر، خصوصًا القلق والاكتئاب.
  • التعرض لصدمات أو تجارب تنمر حول شكل الجسم.

3- العوامل الاجتماعية والثقافية

  • الضغط المستمر لتحقيق “الجسد المثالي” في الإعلام.
  • المقارنات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
  • المعايير الصارمة للجمال في بعض المجتمعات، بما فيها الشرق الأوسط.
  • التعليقات السلبية من الأسرة أو المجتمع حول الوزن.

أعراض اضطرابات الأكل

تتفاوت الأعراض حسب نوع الاضطراب، وتشمل:

1- أعراض نفسية

  • انشغال شديد بالوزن، الطعام، والسعرات.
  • صورة مشوّهة عن شكل الجسد.
  • شعور دائم بالذنب بعد الأكل.
  • تقلبات مزاجية حادة.
  • انسحاب اجتماعي وخجل من تناول الطعام أمام الآخرين.

2- أعراض سلوكية

  • تجنّب تناول الطعام أمام الآخرين.
  • نوبات أكل غير منضبطة.
  • ممارسة الرياضة بشكل مفرط ومرهق.
  • القيء المتعمد أو استخدام الملينات.
  • الصيام لفترات طويلة دون سبب طبي.

3- أعراض جسدية

  • فقدان وزن شديد أو تقلبات حادة في الوزن.
  • ضعف الجهاز المناعي.
  • مشاكل في الجهاز الهضمي.
  • عدم انتظام الدورة الشهرية عند النساء.
  • دوخة وإغماء بسبب سوء التغذية.

تأثير اضطرابات الأكل على الصحة النفسية

اضطرابات الأكل ليست مجرد خلل غذائي، بل مرض نفسي كامل يؤثر تأثيرًا عميقًا على العقل:

1- الاكتئاب

  • يُعدّ فقدان الشهية العصبي والنهام العصبي من أكثر الاضطرابات المصاحبة بالاكتئاب، نتيجة:
  • الشعور بالعجز
  • كراهية الذات
  • استنزاف الطاقة العصبية بسبب سوء التغذية
  • سوء التغذية نفسه يضعف إنتاج السيروتونين، وهو عنصر أساسي في تنظيم المزاج.

2- القلق واضطرابات الهلع

التخوف المستمر من الطعام أو من اكتساب الوزن يولد توترًا حادًا ونوبات هلع، خصوصًا في المواقف الاجتماعية.

3- اضطراب صورة الجسد

يحدث انفصال بين الواقع والصورة الذهنية، فيرى الشخص جسده “بدينًا” رغم النحافة الشديدة. وهذا الاضطراب من أهم عوامل بقاء المرض.

4- انخفاض تقدير الذات

يرتبط الوزن ارتباطًا مباشرًا بإحساس الشخص بقيمته، ما يجعل تحسين الصحة النفسية صعبًا دون علاج شامل.

5- الانعزال الاجتماعي

  • تجنب المناسبات الاجتماعية التي تحتوي على طعام يؤدي إلى:
  • فقدان العلاقات
  • الوحدة
  • تدهور الدعم النفسي المتبادل

6- ضعف العمليات المعرفية

  • سوء التغذية المستمر يؤدي إلى:
  • صعوبة التركيز
  • ضعف الذاكرة
  • فقدان القدرة على اتخاذ القرارات

7- ارتفاع معدلات الانتحار

تشير الدراسات إلى أن فقدان الشهية العصبي يمتلك أعلى معدلات الوفاة والانتحار بين الاضطرابات النفسية.

التأثيرات الجسدية المرتبطة بالحالة النفسية

سوء التغذية الناتج عن اضطرابات الأكل يؤثر على أجهزة الجسم كافة:

  • انخفاض ضغط الدم
  • هشاشة العظام
  • اختلال نبضات القلب
  • تراجع المناعة وزيادة العدوى
  • ضعف العضلات
  • تساقط الشعر

ترتبط هذه المضاعفات بتدهور الحالة النفسية، حيث يزيد الألم الجسدي من الاكتئاب ويُضعف القدرة على العلاج.

العلاج النفسي لاضطرابات الأكل

العلاج الفعّال يجب أن يكون متعدد التخصصات، ويشمل:

1- العلاج السلوكي المعرفي (CBT-E)

  • الأكثر فعالية، ويهدف إلى:
  • تعديل الأفكار المشوّهة حول الطعام والجسد
  • تنظيم السلوك الغذائي
  • معالجة مشاعر الذنب والقلق

2- العلاج الأسري (Family-Based Treatment)

فعال لدى المراهقين، ويساعد الأسرة على دعم النظام الغذائي الصحي دون ضغط أو انتقاد.

3- العلاج الدوائي

يُستخدم في الحالات المصحوبة باكتئاب أو قلق شديد، ويلجأ إليه الطبيب النفسي عند الضرورة.

4- الدعم الغذائي

مقدّم من اختصاصي تغذية علاجية لإعادة بناء نمط غذائي متوازن تدريجيًا.

5- مجموعات الدعم

تساعد على تقليل العزلة، وتبادل الخبرات، وتعزيز الشعور بأن المريض ليس وحده.

الوقاية والاستراتيجيات المبكرة

  • تعزيز صورة جسدية إيجابية منذ الطفولة.
  • التوعية بمخاطر المثالية الجمالية المنتشرة على وسائل التواصل.
  • دعم الشباب نفسيًا، خصوصًا في الفترات الانتقالية (المدرسة–الجامعة، البلوغ، الضغوط الأسرية).
  • تجنب التعليقات السلبية حول الوزن أو الشكل.
  • تعزيز التغذية السليمة دون ربطها بالقيمة الذاتية.

الخاتمة

اضطرابات الأكل تُعد من أخطر الاضطرابات النفسية، لما تحمله من آثار مزدوجة على العقل والجسد، ولارتباطها المباشر بالاكتئاب والقلق واضطرابات الصورة الذاتية. إدراك المجتمع لهذه الاضطرابات بوصفها أمراضًا نفسية حقيقية، لا مجرد مشاكل في العادات الغذائية، يمثل خطوة أساسية نحو الحد من انتشارها.

إن العلاج المبكر والدعم العاطفي، إلى جانب تدخلات نفسية وغذائية متكاملة، يمكن أن يعيد للمريض توازنه النفسي والجسدي، ويمنحه فرصة حقيقية لتحسين جودة حياته واستعادة ثقته بنفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *