سيكولوجي بالعربي

أساسيات الغريزة في علم النفس

صورة عن الغريزة

تُعدّ الغريزة من أقدم المفاهيم التي حاول علم النفس تفسيرها لفهم منشأ السلوك الإنساني، إذ تمثل الجسر بين البيولوجيا والسلوك، وبين ما هو موروث فطريًا وما هو مكتسب بيئيًا. وقد شكّلت الغريزة نقطة انطلاق أساسية في بناء نظريات الدوافع، الشخصية، والسلوك الاجتماعي، قبل أن تتعرض لإعادة تفسير وتفكيك نقدي مع تطور المدارس النفسية الحديثة.

الغريزة ليست مجرد رد فعل آلي، بل نظام داخلي معقّد يوجّه السلوك نحو أهداف تطورية محددة، غالبًا دون وعي مباشر من الفرد.

في أبسط تعريفاتها العلمية، تُعرَّف الغريزة بأنها:

نمط سلوكي فطري، موروث، يظهر تلقائيًا استجابةً لمثيرات معينة، ويخدم وظيفة بقاء أو تكيف دون الحاجة إلى تعلم مسبق. ويُلاحظ في هذا التعريف أربعة عناصر جوهرية:

  • الفطرية: أي أن السلوك موجود قبل الخبرة.
  • الثبات النسبي: يظهر لدى أغلب أفراد النوع البشري.
  • التحفيز الداخلي: لا يعتمد كليًا على التعلم.
  • الوظيفة التطورية: يخدم البقاء أو التكاثر أو التنظيم الاجتماعي.

الجذور التاريخية لمفهوم الغريزة

1- الغريزة في الفكر الفلسفي المبكر

قبل علم النفس الحديث، ناقش الفلاسفة مفهوم الغريزة ضمن مفاهيم “الطبع” و“الطبيعة الإنسانية”، حيث رأى:

  • أفلاطون أن الإنسان تحركه دوافع فطرية عقلية وغضبية وشهوانية.
  • أرسطو ميّز بين الأفعال الإرادية والفطرية المرتبطة بالبقاء.

2- الغريزة في بدايات علم النفس

مع نشأة علم النفس كعلم مستقل:

  • ويليام جيمس اعتبر الغرائز أساس السلوك الإنساني، وعدّ الإنسان أكثر الكائنات امتلاكًا للغرائز.
  • في المقابل، سعى علماء لاحقون إلى تقليص المفهوم بسبب اتساعه وغموضه.

الغريزة في المدارس النفسية الكبرى

1- المدرسة التحليلية (فرويد)

رأى فرويد أن الغرائز هي الطاقة المحركة للنفس، وقسّمها إلى:

  • غرائز الحياة (Eros): وتشمل غريزة البقاء، الجنس، والحب.
  • غرائز الموت (Thanatos): وتمثل النزعة العدوانية والتدميرية.

وفق هذا التصور، لا تعمل الغريزة كسلوك مباشر، بل كطاقة نفسية تُعاد صياغتها عبر الأنا والثقافة.

2- المدرسة السلوكية

رفض السلوكيون مفهوم الغريزة بوصفه غامضًا وغير قابل للقياس، واعتبروا السلوك نتاج:

  • التعلم
  • التعزيز
  • التكييف

لكن هذا الرفض لم يصمد كليًا أمام الأدلة البيولوجية اللاحقة.

3- المدرسة البيولوجية والتطورية

أعادت علم النفس التطوري الاعتبار للغريزة، معتبرًا إياها:

  • برامج عصبية تطورت عبر الانتقاء الطبيعي.
  • آليات نفسية متخصصة لحل مشكلات البقاء (الخوف، التزاوج، الانتماء).

الأساس البيولوجي للغريزة

الغريزة ليست فكرة مجردة، بل لها بنية عصبية واضحة:

  • الدماغ الحوفي (Limbic System) يلعب دورًا مركزيًا في السلوك الغريزي.
  • تحت المهاد (Hypothalamus) ينظم غرائز الجوع، العطش، والجنس.
  • الناقلات العصبية والهرمونات (مثل الدوبامين، الأوكسيتوسين، الكورتيزول) تعمل كمفاتيح تشغيل للأنماط الغريزية.

هذا يفسّر لماذا تكون الاستجابات الغريزية سريعة، قوية، ومقاومة للضبط الواعي أحيانًا.

العلاقة بين الغريزة والدافع

من الناحية التحليلية:

  • الغريزة تمثل المصدر الفطري للطاقة.
  • الدافع هو التمثيل النفسي الواعي أو شبه الواعي لهذه الطاقة.
  • بمعنى آخر، الغريزة هي “البرنامج”، والدافع هو “الإشارة التشغيلية” التي تظهر في السلوك.

الغريزة مقابل التعلم

لا يعمل السلوك الإنساني وفق ثنائية حادة (غريزة/تعلم)، بل ضمن تفاعل معقّد:

  • الغريزة تحدد ما يمكن تعلمه بسهولة.
  • التعلم يحدد كيف ومتى يُعبَّر عن الغريزة.

مثال ذلك: الخوف غريزة. حيث أن نوع الشيء المخيف غالبًا مكتسب ثقافيًا.

إعادة تعريف الغريزة في علم النفس الحديث

لم يعد يُستخدم مصطلح الغريزة بصيغته الكلاسيكية الواسعة، بل استُبدل بمفاهيم أدق مثل:

  • الاستعدادات الفطرية
  • الآليات النفسية التطورية
  • الأنظمة التحفيزية العصبية

وذلك لتجنب التبسيط المفرط، مع الحفاظ على الجوهر العلمي للفكرة.

أهمية فهم الغريزة نفسيًا

فهم الغريزة يتيح:

  • تفسير السلوك غير العقلاني.
  • فهم جذور الصراع النفسي.
  • تحليل أنماط العدوان، التعلق، والخوف.
  • بناء نماذج علاجية أكثر واقعية.

الخاتمة

الغريزة ليست نقيض العقل، بل أساسه التطوري. وهي ليست سلوكًا بدائيًا تجاوزه الإنسان، بل بنية عميقة ما زالت تشكّل قراراته، رغباته، وصراعاته الداخلية. إن تجاهل الغريزة يؤدي إلى فهم سطحي للسلوك، بينما تحليلها علميًا يفتح الباب لفهم الإنسان بوصفه كائنًا بيولوجيًا-نفسانيًا-اجتماعيًا متكاملًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *