سيكولوجي بالعربي

أزمة الهوية النفسية لدى شباب الشرق الأوسط

صورة تعبر عن الهوية

تشير التقارير الإقليمية والدولية إلى أن أكثر من 65% من سكان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هم من فئة الشباب تحت سن 35 عامًا، وهي من أعلى النسب عالميًا. ورغم هذا الثقل الديموغرافي، تظهر الدراسات النفسية والاجتماعية أن ما بين 48% إلى 57% من شباب المنطقة يعانون من الشعور بالضياع، والقلق بشأن المستقبل، وانعدام اليقين حول هويتهم الشخصية. {1}

كما تُظهِر بيانات البنك الدولي أن البطالة بين الشباب العربي تتجاوز 26%، وهي النسبة الأعلى في العالم، بينما يعبر نحو 70% من الشباب عن رغبتهم في الهجرة بسبب غياب الفرص والهوية المستقبلية الواضحة.

هذه المؤشرات تكشف عن أزمة مركّبة، ليست اقتصادية فقط، بل نفسية وثقافية وحضارية، تنعكس مباشرة على بناء هوية الشاب وخصائص شخصيته.

الشباب في هذه المنطقة لم يولدوا ضعفاء، ولم يفقدوا هويتهم لأنهم غير قادرين على بنائها.
بل الحقيقة أن العالم حولهم تغيّر بسرعة أكبر من قدرة أي إنسان على التكيّف.
وُلد الجيل الحالي في منطقة تحمل أثقال التاريخ، وتعيش صدمات الحاضر، وتواجه ضبابية المستقبل.

ووسط هذا المشهد، من الطبيعي أن يشعر الشاب بأنه:
لا يعرف من أين يبدأ، ولا إلى أين يتجه، ولا من يريد أن يكون.

أسباب ازمة الهوية

1- انهيار المنظومات الموروثة

كانت الهوية تُبنى على الدين، والعائلة، والقبيلة، والدولة، لكن هذه الركائز تراجعت دون ظهور بدائل صلبة مثل:

  • تشتت الخطاب الديني بين عشرات المدارس.
  • ضعف العائلة كملجأ نفسي في ظل الحياة المدنية الحديثة.
  • هشاشة الدولة الوطنية وغياب مشروع جماعي جامع.

2- التمزق الحضاري بين نموذجين متعارضين

  • يعيش الشاب في عالم رقمي غربي القيم، لكنه يعيش أيضًا في مجتمع محلي محافظ.
  • فيتكوّن داخله صراع بين نموذج الحرية الفردية، ونموذج الالتزام الاجتماعي.
  • هذا التناقض يزرع اضطرابًا داخليًا لا يمكن للشاب حسمه بسهولة.

3- الفراغ الاقتصادي وغياب المستقبل

غياب الوظائف، وتفكك الطبقة الوسطى، وضعف الترقي الاجتماعي، جميعها عوامل تحول الهوية إلى “معركة يومية” بدل أن تكون أرضًا مستقرة.

4- غياب حرية التعبير والمشاركة

الهوية تحتاج إلى مساحة للتجربة والخطأ.
لكن في العديد من بلدان المنطقة، المجال العام محدود، مما يؤدي إلى هوية مكبوتة تتشكل في الخفاء، لا في الواقع.

5- تأثير الصدمة الرقمية

وسائل التواصل تصنع مقارنات قاسية، وتقدم نماذج مثالية بعيدة عن الواقع.
هذا يخلق فجوة بين صورة الذات الحقيقية وصورتها المتخيلة، ما يزيد من التشوش والقلق.

طريقة الحل مع خطوات عملية

1- إعادة بناء الهوية من الداخل

البدء بفهم الذات عبر الإجابة على أسئلة أساسية:

  • ما قيمتي الأساسية في الحياة؟
  • ما الذي أقدر أن أفعله دون ضغط اجتماعي؟
  • ما هو المجال الذي ينسجم مع طبعي لا مع توقعات الآخرين؟
  • كتابة هذه الإجابات تمنح هوية أولية قابلة للنمو.

2- خلق مرساة ثابتة في عالم متغيّر

يمكن للشاب أن يختار “مرساة معرفية أو عملية” يحتمي بها، مثل:

  • مهارة يتقنها
  • مجال معرفي يدرسه بعمق
  • مشروع شخصي
  • انتماء فكري ثابت
  • وجود نقطة ارتكاز يخفف التشوش الداخلي.

3- بناء منظومة علاقات صحية

الهوية تنمو في بيئة داعمة.
لذلك من المهم تكوين دائرة علاقات صغيرة، حقيقية، لا تحكم ولا تقارن.

4- تخفيف التعرّض للمقارنات الرقمية

تحديد ساعات استخدام منصات التواصل، أو التخلص من الحسابات التي تخلق شعورًا بالنقص.
هذا ليس ضعفًا، بل آلية بقاء.

5- رسم خطة مستقبلية واقعية

التركيز على خطوات صغيرة وممكنة:

  • تعلم مهارة
  • الحصول على تدريب
  • بناء مشروع جانبي
  • تحسين الصحة النفسية والجسدية
  • الخطوات المتراكمة تصنع هوية متماسكة أكثر من أي تنظير.

نصائح إضافية

  • لا تُحمّل نفسك مسؤولية فوضى العالم.
  • تعلّم أن تُفرّق بين صوتك وصوت المجتمع.
  • الهوية لا تأتي دفعة واحدة، بل تتشكل عبر التجارب.
  • ارفض أن تكون نسخة من الآخرين، واصنع نسختك الخاصة.
  • مارس التأمل أو الكتابة اليومية لبناء وضوح داخلي.

الخاتمة

أزمة الهوية لدى شباب الشرق الأوسط ليست حدثًا عابرًا، بل نتيجة مباشرة لتحولات هائلة عصفت بالمجتمع، والدولة، والاقتصاد، والثقافة.
لكن وسط هذا الاضطراب، يملك الشاب القدرة على إعادة صياغة ذاته، وبناء هوية متزنة تتحدى الظروف ولا تخضع لها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *